فرص وقيود العلاقات الروسية- المصرية بعد 30 يونيو

السفير علاء الجديدي

في مفارقة لها دلالتها، توجه إلى موسكو، في 24 أكتوبر 2013،سفير مصر الجديد إلى روسيا الاتحادية،ومعه على الطائرة نفسها أول وفد شعبي مصري،لشرح حقيقة الأوضاع في مصر بعد30يونيو، وبحث سبل تدعيم العلاقات بين الشعبين المصري والروسي. ولم يكن هذا الوفد سوي مقدمة لوفد شعبي ثان توجه إلى موسكو في نوفمبر، ضم وزير الخارجية الأسبق،السفير محمد العرابي، وممثلين عن المجتمع المدني والقوي السياسية المختلفة. وكان قد سبق زيارة الوفدينغير الرسميين زيارة نبيل فهمي، وزير الخارجية، إلى موسكو في سبتمبر الماضي، ناهيك عن زيارة وزيري الخارجية والدفاع الروسيين إلى القاهرة في نوفمبر،وما صاحبهما من تغطية إعلامية وتحليلات سياسية واسعة، ذهب البعض فيها إلى أنها ستبدل من خريطة التحالفات الاستراتيجية في المنطقة.

أولا- موقع مصر على خريطة السياسة الخارجية الروسية:

بداية،يجب أن نلقي بعض الضوء على الرؤية الروسية لمصر وموقعها على الخريطة الدولية للسياسة الخارجية الروسية،وما طرأ عليها من تغيير عقب ثورة 25 يناير، ثم 30 يونيو، حيث لا يجادل أحد في مكانة وثقل مصر وموقعها الاستراتيجي، وكونها لاعبا لاغني عنه على الساحتين الإقليمية والدولية.ولكن الجدل يدور حول الدور المصري، ومدي تراجعه أو تقلصه، خاصة في السنين الأخيرة من حكم مبارك لمصلحة قوي إقليمية أخري،تعاظم دورها على حساب الدور المصري التقليدي في المنطقة، في الوقت الذي شهدت فيه العلاقات الروسية- الأمريكية، والعلاقات الروسية- الإسرائيلية الكثير من التطورات والتغيرات، مما أثر بدوره في الحسابات الروسية في المنطقة، والنظرة الروسية لمصر.

لا شك في أن المتغير الرئيسي في إعادة الحسابات الروسية إزاء المنطقة كان ثورات الربيع العربي، وعلى الأخص منها الثورة المصرية في25 يناير2011، وما مثلته من مفاجأة استراتيجية لجميع المتابعين للشأن المصري.وكان لصعود تيار الإسلام السياسي،ممثلا في جماعة الإخوان المسلمين، وذراعها السياسية، ممثلة في حزب الحرية والعدالة، مصدر عدم ارتياح وقلق لدوائر صنع القرار في العاصمة الروسية، نظرا لما عدوه من مواقف الجماعة السابقة في تقديم الدعم للحركات الانفصالية في الشيشان، وشمال القوقاز، الذي يعد خطا أحمر يمس صميم الأمن القومي الروسي، وهو ما يفسر موقف موسكو من زيارة الرئيس مرسي، واستمرار الهواجس الروسية من تأثير نجاح الإخوان في مصر في منطقة شمال القوقاز، التي شهدت في الفترة الأخيرة نمواغير مسبوق في جماعات الإرهاب الإسلامي ونشاطاتها.وكانت العملية الانتحارية التي شهدتها إحدي محطات مترو الأنفاق في روسيا،في شهر مارس2010، ثم العملية الثانية بمطار ميدفيديف الدولي بموسكو في العام التالي،بمثابة إعلان حرب بدلت من سلم أولويات القيادة الروسية، وصدرت ملف الإرهاب الإسلامي الأصولي إلى صدر القائمة.

وهكذا، كان للترحيب الروسي بثورة 30 يونيو أسبابه العديدة، منها ما هو متعلق بالرغبة الروسية في استعادة القاهرة لدورها الريادي في المنطقة، بما يؤدي إلى تحجيم دور قوي أخري، انتهزت فرصة تواري الدور المصري،وعملت على ملء الفراغالناجم عن انسحاب مصر، دون أن يصب ذلك في مصلحة الأهداف أو المصالح الروسية في المنطقة.بل على العكس، فقد فاقم ذلك من العراقيل التي كانت تواجه السياسة الروسية فيها، ولذلك كان التطلع الروسي لعودة مصر. وكان ثاني هذه الأسباب إزاحة أحد مصادر الخطر على الأمن القومي الروسي، ممثلا في نظام حكم ذي توجهات إسلامية أصولية، رغم كل محاولاته لإخفائها، وطمأنة الجانب الروسي بشأنها. وأخيرا على مستوى العلاقات الثنائية التي كانت شبه محصورة في موضوعين لا ثالث لهما، هما السياحة، والقمح، رغم مناشدات المسئولين الروس توسيع أطر العلاقات لتشمل موضوعات وملفات أخري،بما يخدم مصالح الدولتين.

وعلى الرغم من رغبة الجانب الروسي في تطوير العلاقات بين البلدين، فإن العائق الروسي كان إدراك القادة الروس لعدم توافر الإرادة السياسية اللازمة لدي الجانب المصري من أجل تعزيز وتدعيم العلاقات، حتي في بعض القطاعات المحدودة. وكان الجانب الروسي يري في أي خطوة تقارب مصرية مجرد مناورة من القاهرة لتعزيز المركز التفاوضي للقاهرة إزاء واشنطن، وليس تعبيرا عن رغبة صادقة أو حقيقية في تطوير العلاقات. وعزز هذا الاعتقاد لدي الجانب الروسي قيام الجانب المصري أكثر من مرة بمفاتحة الجانب الروسي في موضوع ما، ليكتشف الروس بعد ذلك أنهم قد تم استخدامهم كأوراق ضغط فقط مع الأمريكان، وليس أكثر.وكثيرا ما أعرب المسئولون الروس عن استيائهم من هذا الأسلوب في التعامل، مشيرين إلى أن توجه مصر سيظل دائما نحو الولايات المتحدة الأمريكية، رغم ما قد يعتري العلاقات بين واشنطن والقاهرة من فتور، أو مظاهر توتر، مثلما حدث خلال فترة إدارة بوش الابن. لذلك، لم يعول الروس كثيرا على أية مبادرة من الجانب المصري لتعميق العلاقات، مثل توقيع اتفاق شراكة استراتيجية أثناء زيارة الرئيس الروسي السابق،ميدفيديف،للقاهرة في يونيو2009،والذي نص على عقد لجنة رباعية من وزراء دفاع وخارجية البلدين، لإدراكهم حدود التوجه المصري ودوافعه، وعدم توافر الإرادة السياسية الحقيقية لدفع العلاقات بين الطرفين بالشكل المأمول.

ومن هنا، يمكن فهم الترحيب الروسي بثورة 30 يونيو، وقراءتهم الدقيقة لتداعياتها، التي كشفت بكل وضوح هذه المرة عن مدي جدية القيادات المصرية وصدقها في التواصل مع الجانب الروسي، والإيمان بأهمية تطوير هذه العلاقات، دون أن يعني ذلك استبدال حليف، أو علاقة تبعية لطرف بطرف آخر. فالروس أنفسهم أول من يدرك أن سياسة الأحلاف قد ولت، وأن عصر الحرب الباردة قد انقضي، وأن عقد الخمسينيات، وصفقة الأسلحة التشيكية كانا لحظة تاريخية لن تتكرر.بل إن الروس أنفسهم قد أصبحوا على قناعة بأهمية الحفاظ على مستوى من التعاون مع القطب الدولي الآخر،حيث أصبحوا يدركون أنه من المهم تطوير العلاقات معه، وعدم الدخول في حرب باردة جديدة، أو سباق تسلح سيكون أول من سيعاني آثاره المواطن الروسي الذي شهد طفرة أثناء فترة حكم بوتين الأولي،نتيجة ارتفاع أسعار البترول، وهو لا يريد إهدار هذا الإنجاز بسباق تسلح جديد ينهك الطرفين معا، ولا تسمح به موازين القوي الحالية.

ومن جانبه، يسعي الرئيس بوتين جاهدا لاستعادة دور روسيا ومكانتها على الساحة الدولية، بالعمل على إحياء بعض بقايا الدولة السوفيتية السابقة، من خلال مبادرته لإقامة الاتحاد الأوراسي، الذي يضم روسيا، وكازاخستان، وبيلاروسيا، التي يجمعها حاليا اتحاد جمركي،وأعلنت أرمينيا رغبتها في الانضمام إليه،ومن خلال جهوده لإحياء بعض من النفوذ والدور الروسي في دول آسيا الوسطي التي لا تزال تحتفظ بالعديد من المصالح، والعلاقات مع موسكو، التي تعود إلى أيام الاتحاد السوفيتي، ناهيك عن الدور الروسي في نسج علاقات تحالف مع دول البريكس(روسيا، والصين، والهند، والبرازيل، وجنوب إفريقيا)، وكلها شواهد على عزم القيادة الروسية،تحت زعامة الرئيس بوتين،استعادة الدور الروسي الذي اضمحل بعد انهيار الاتحاد السوفيتي،لكن مع إدراك ووعي تام بحدود وإمكانيات روسيا الحالية، وأوضاعها الاقتصادية، التي تحتم عليها التعاون مع الغرب، خاصة الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها ألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا.

من هذه الخلفية، يمكن فهم التوجهات العامة للسياسة الخارجية الروسية، وموقع مصر منها، دون الدخول في تفاصيل التحركات الروسية في الشرق الأوسط وتعقيداتها، التي تخضع بدورها لحسابات وتشابكات، أقلها العلاقات الحميمية مع إيران، والعلاقات الاستراتيجية مع سوريا، والعلاقات المتنامية مع إسرائيل. ويمكن القول إن المصالح المصرية- الروسية قد تلاقت بشكلغير مسبوق عقب ثورة30يونيو، وما تمخضت عنه من نتائج وتداعيات. وكان أبرز هذه النتائج هي إزاحة أهم عائق حال دون تنمية العلاقات بين البلدين عقب ثورة25 يناير،ممثلا في نظام الإخوان المسلمين.وكان من أهم النتائج اقتناع القيادة الروسية بجدية الرغبة المصرية في تطوير التعاون، بصرف النظر عما يطرأ من تغيرات على العلاقات المصرية- الأمريكية، أو أن يكون على حسابها. هذان العاملان أو المتغيران كانا الحافزين الرئيسيين فيما نشهده حاليا من تواتر في الزيارات الرسمية وغير الرسمية، وتقاطر الوفود الشعبية وغير الشعبية، على عاصمتي البلدين، وآخرها اجتماع اللجنة الرباعية،سالفة الذكر أخيرا في القاهرة،رغم إنشائها منذ عام، وزيارة الطراد الروسي لميناء الإسكندرية،في أول زيارة من نوعها منذ ثلاثة عقود.

وحفلت وسائل الإعلام بأنباء عن صفقات سلاح قادمة، بعضها بتمويل خليجي، وغيرها من التوقعات والتكهنات التي لم تتأكد بعد،علما بأن العلاقات العسكرية لم تنقطع يوما مع الاتحاد الروسي، وإن كان لا يقارن بطبيعة الحال مع ما كان موجودا في السابق. والحقيقة الثانية هي أن جزءا لا يستهان به من تسليح القوات المسلحة المصرية لا يزال روسيا.

لذلك،كان طبيعيا أن تنطلق الدعوات والصيحات في وسائل الإعلام المصرية،بعد قيام إدارة الرئيس أوباما بتعليق الجزء الأكبر من المساعدات العسكرية إلى مصر، نتيجة التوتر الذي شاب العلاقة بين الدولتين،لتنويع مصادر السلاح، وتوثيق التعاون مع روسيا كرد على الموقف الأمريكي. بل ذهب البعض إلى المناداة بالتخلص من المعونة الأمريكية نهائيا، وكأن المطلوب هو استبدال محور جديد مع روسيا بمحور سابق مع أمريكا.

حقيقة، تمثل زيارة وزير الدفاع الروسي للقاهرة انعطافا مهما في العلاقات العسكرية بين البلدين، لكن يجب وضع هذه الزيارة في إطارها الصحيح، وعدم تأويل الأمور أكثر مما تحتمل.فلا القاهرة تريد استبدال محور بآخر، ولا موسكو تسعي إلى الإحلال محل الولايات المتحدة في مصر، مثلما كان يحدث أيام الحرب الباردة، والتنافس الشرس بين هذين القطبين النوويين،قبل انهيار الاتحاد السوفيتي. لقد استوعب القادة الروس الدرس جيدا، وآخر ما يسعون إليه هو الدخول في حرب باردة جديدة، أو سباق تسلح جديد، أو الصراع حول مناطق نفوذ في مختلف بقاع العالم. ويمكن القول إن الشيء نفسه ينطبق على الولايات المتحدة أيضا.

هذا لا يمنع بالطبع التنافس بين الدولتين العظميين، ولكن في حدود معينة، وبأقصي درجات ضبط النفس، بل والسعي إلى التعاون أكثر من التنافس، خاصة في القضايا ذات الاهتمام المشترك، التي تمس صميم الأمن القومي في الدولتين، وعلى رأسها قضية الإرهاب، خاصة بعد11 سبتمبر التي قربت رؤي صناع القرار في واشنطن وموسكو أكثر من أي عامل آخر، وأقنعتهما بوجود خطر مشترك يفرض عليهما التعاون أكثر من أي وقت مضي، منذ الحرب العالمية الثانية، حين توحدت قواهما ضد ألمانيا النازية.

لا يعني ما تقدم أن الوفاق بين موسكو وواشنطن يفرض توافقا في جميع القضايا والملفات.ففي النهاية،لكل دولة مصالحها، ورؤيتها.والقيادة،والنخبة الروسية أبعد ما تكون عن الاستكانة،أو العمل على استعادة جزء من نفوذها القديم، والقنوع بمركزها الحالي، فهي تدرك مواطن قوتها، ومواطن ضعفها، ولن تقدم على عمل عسكري،علىغرارغزو أفغانستان لتحقيق أطماع امبراطورية، لكنها ستدافع عما تراه من تهديد مباشر لأمنها القومي، مثلما حدث في جورجيا عام2008.من هذا المنطلق، نستطيع فهم كيفية إدارة القيادة الروسية الحالية لخلافها مع الولايات المتحدة حول سوريا، وإيران، وكوريا، وبعض القضايا الأخري، مثل احترام حقوق الإنسان، وقضايا الحريات بصفة عامة.

كما سلفت الإشارة، فإنه يجب عدم اختزال العلاقات المصرية- الروسية، والآفاق التي يمكن أن تنطلق نحوها هذه العلاقات،في المسائل العسكرية فقط، على الرغم من أهميتها، أو حتي في ملفي السياحة والقمح، كما هو الواقع الآن، ولكن يجب النظر في الفرص الأخري المتاحة للتعاون في العديد من المجالات، التي إما أنه قد تم تجاهلها عن عمد، أو لأن أحدا لم يبذل الجهد والدراسة اللازمين من أجل تطوير التعاون في هذا القطاع أو ذاك.

أول ما يتبادر إلى الذهن،عند الحديث عن آفاق التعاون بين مصر وروسيا-بجانب السلاح- هو بلا شك التعاون في المجال النووي. وروسيا كدولة مصدرة للتكنولوجيا والمفاعلات النووية ليست بحاجة إلى شرح أو تفصيل، ويكفي هنا الصفقات العديدة التي وقعتها موسكو مع عدد من الدول مثل الصين، والهند، وفيتنام، وتركيا.ومن الجدير بالنظر،هنا، دراسة الاتفاق الذي تم بين موسكو وأنقرة بشأن إنشاء أول مفاعل نووي في تركيا بمساعدة روسيا، في إطار صفقة شاملة تضمنت موضوعات تجارية شتي، وتبادلا لسلع بعينها، فيما يشبه نظام المقايضة الذي كان سائدا أيام الاتحاد السوفيتي، وهو ما يخرج بناء المفاعل النووي من قيود العروض التجارية الغربية التقليدية، التي تجعل من شراء المفاعل النووي عملية باهظة التكاليف، لا تقدر عليها سوي دول محدودة.

ولن نتطرق هنا إلى مزايا التعاون النووي مع روسيا، أو فوائد بناء محطات توليد طاقة نووية في مصر، فهذا الأمر يخضع لحسابات صانع القرار المصري، ولكن يمكن للتجربة التركية مع روسيا أن تمثل نموذجا يحتذي به، خاصة أن الروس على استعداد أكبر منغيرهم لتسهيل التوصل إلى صفقات من هذا النوع، بما في ذلك توفير الدعم المالي،إذا اقتضي الأمر، ناهيك عن ميزة إضافية تتمثل في عدم وجود ممانعة روسية في نقل بعض أوجه التكنولوجيا النووية، وتعليم وتدريب الكوادر من مختلف البلاد التي يتم عقد مثل هذه الصفقات معها، وهو الأمر الذي لا يتوافر مع أطراف دولية أخري،تضع العديد من القيود، ولا تقدم من الخبرات النووية إلا ما يختص بتشغيل المفاعل، وليس أكثر من ذلك.

ثانيا- آفاق التطور في السياحة والعلاقات الاقتصادية:

من المعروف أن روسيا هي أكبر مصدر للسياحة إلى مصر، حيث وصل العدد إلى ما يقرب من3ملايين سائح روسي في يناير2011.ورغم هذا العدد الضخم من السائحين الروس الذين يأتون إلى الشواطئ المصرية على البحر الأحمر، خاصة في شرم الشيخ والغردقة، فإنه لم يتم بذل أي جهد حقيقي أو جاد لدراسة الذوق الروسي من أجل تعظيم الفائدة من وجودهم في مصر لبيع منتجات مصرية مختلفة، خاصة في قطاع الملابس والمنسوجات-على سبيل المثال- الذييعاني مشاكل جمة في مصر، فيما يعج السوق الروسي بالمنتجات التركية من الجلود والمنسوجات. فلا ينفق السائح الروسي كثيرا في مصر، لأنه لا يجد ما يشتريه، ويكتفي بالاستجمام على الشاطئ، وأشعة الشمس الدافئة، هروبا من صقيع بلاده في الشتاء.لكنه إذا أراد التسوق،توقف في دبي،أو اتجه إلى المنتجات التركية المعروضة في روسيا، بعد أن يكون قد تعرف عليها،خلال تمضية إجازة أخري على شواطئ البحر المتوسط في تركيا، التي تمثل المنافس الرئيسي لمصر في مجال سياحة الشواطئ. وعليه، فإن الاكتفاء بتنظيم رحلات سياحية من مدن روسية مختلفة إلى شرم الشيخ،والغردقة، يحرم مصر من العديد من الفوائد الأخري(خاصة أن حجم الجالية الروسية المقيمة بهاتين المدينتين الساحليتينيصل إلى نحو30ألفا، مرشح للنمو بشكل أكبر في حالة ازدياد حركة التدفق السياحي عن المعدلات الحالية، الأمر الذي دفع السلطات الروسية إلى التفكير في افتتاح قنصليتين في هاتين المدينتين).

وبالنسبة للقمح، فمن المعروف أن حجم التبادل التجاري بين الدولتين يغلب عليه عدد محدود من السلع، ممثلا في بعض الصادرات المصرية من الفواكه والحمضيات التي يمثل البرتقال العنصر الرئيسي فيها، فضلا عن كميات محدودة من البصل والبطاطس،ليصل إجمالي قيمة ما تصدره مصر،نحو250إلى300مليون دولار سنويا، في حين تتخطي قيمة الصادرات الروسية لمصر ملياري دولار، وقد تصل أحيانا إلى3مليارات، نظرا لما تستورده مصر من القمح الروسي، الذي يشكل البند الرئيسي في قيمة الواردات المصرية، ويدفع بشدة الميزان التجاري لمصلحة روسيا. وقد تم طرح العديد من الأفكار لمعالجة هذا الخلل في الميزان التجاري،وزيادة الصادرات المصرية، بما في ذلك إمكانية الدخول في اتفاق للتجارة الحرة بين البلدين، وهو الأمر الذي لا يزال الجانب الروسي يدرسه، ولا يمثل أولوية له، خاصة في ضوء انضمام روسيا أخيرا لمنظمة التجارة العالمية، وما تفرضه عليها من إجراء العديد من التعديلات والإصلاحات على نظمها، وقوانينها،التي تقتضي من المسئولين الروس التريث في الدخول في اتفاقات تجارة حرة مع دول أخري.

وهناك فكرتان تم طرحهما لإصلاح هذا الخلل:

الأولي:خاصة بإنشاء صوامع قمح، يتم تخزين القمح الروسي فيها، والمزمع تصديره لدول أخري. فمن المعروف أن روسيا من أكبر الدول المنتجة للقمح في العالم، وتطمح إلى أن تكون المصدر الأول لهذه السلعة الغذائية الاستراتيجية، ولكنها تواجه مشكلة الطقس البارد في الشتاء، الذي يحول دون الاستفادة من المحصول،في حال وجود فائض عند التوسع في زراعته، نظرا لعدم توافر إمكانيات تخزينه بالشكل المناسب، في حين تتمتع مصر بالطقس المعتدل، فضلا عن الموقع الجغرافي المميز،وقربها من أكبر الأسواق المستوردة للقمح الروسي، مما يعطي ميزة تنافسية كبيرة لمصر في استقبال القمح الروسي وتخزينه لإعادة تصديره إلى أسواق أخري،يمكن أن تكون مصر من بينها.

أما الفكرة الأخري، فتقوم على تأسيس شراكة تجارية في صناعة الأخشاب، يستفيد منها الطرفان، فروسيا هي أيضا أحد أكبر مصدر للأخشاب في العالم، ويشكل الخشب السلعة التالية للقمح في قائمة الصادرات الروسية لمصر. وفي مصر(وفي مدينة دمياط بالتحديد)، صناعة أثاث كبيرة تعتمد في أحد أهم مصادر دخلها على تصدير منتجاتها إلى إيطاليا، التي تقوم بإعادة تصدير الأثاث المصري إلى روسيا، محققة بذلك أرباحا كبيرة،نظرا لعدم وجود صناعة أثاث يعتد بها في روسيا، واعتمادها على الأثاث المستورد. إن وجود نوع من الشراكة يربط ما بين صادرات الأخشاب الروسية إلى مصر، والتصدير المباشر لصناعة الأثاث المصري إلى روسيا،سيؤدي إلى انتعاش هذه الصناعة في مصر، واستفادة المستهلك الروسي بحصوله على السلعة نفسها، ولكن بأسعار اقل.

هذه بعض الأفكار المطروحة التي لم تأخذ حظها بعد من التنفيذ، وفي انتظار تحرك القيادات في البلدين لدفعها إلى الأمام، بما يوسع نطاق التعاون خارج الأطر التقليدية، ويساعد على خلق مصالح حقيقية مشتركة تتجاوز تقلبات العلاقات السياسية التي تشهد بين الحين والآخر فترات من الصعود،وأخري من الجمود.

ولئن كانت معظم التحليلات والتقديرات قد ذهبت إلى التركيز على البعد العسكري في العلاقة الجديدة، وهو الأمر المفهوم في ضوء الحديث عن دولة بحجم مصر،وأخري بحجم روسيا، وانعكاس

دلك على مجمل الأوضاع في المنطقة، فإنه من المبكر جدا الحديث عن تداعيات ما بدأ البعض في وصفه بالتقارب المصري- الروسي الحالي

http://www.siyassa.org.eg/NewsContent/3/111/3473/%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9/%D9%85%D9%84%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%AF/%D9%85%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD-%D9%84%D8%A7-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%88%D8%B1.aspx

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>