هل كرّس بوتين دور لمصر في سوريا؟..بقلم د. ليلى نقولا الرحباني

ليست الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى مصر، ليست تفصيلاً في مسار التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، فمصر التي كانت في كل تاريخها دولة عربية محورية؛ لها نفوذها وقوتها وقدرتها على التأثير في دول عربية عدّة، لن تكون خارج أجندة الروس، الذين دخلوا إلى السياسة الشرق أوسطية من بابها العريض بعد الحرب في سورية.

تتزامن هذه الزيارة مع تطورات عدّة يحتاج فيها كل من البلدين إلى توسيع آفاق العمل السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، وأهمها ملفّا الاقتصاد والإرهاب.

على الصعيد الاقتصادي، تحاول كل من روسيا ومصر الخروج من الأزمات الاقتصادية المتراكمة، فروسيا التي فرض الغرب عليها عقوبات أرهقت الاقتصاد الروسي وأدّت إلى تراجع الروبل بشكل غير مسبوق، تحاول تأمين بدائل ممكنة لتأمين بيع الغاز الروسي، وعقد شراكات اقتصادية مع غير الأوروبيين، بينما تسعى مصر بقوة إلى جذب مزيد من الاستثمارات العربية والدولية، من خلال المؤتمر الاقتصادي المزمع عقده في آذار المقبل، كما تطمح إلى الاستفادة من الأسواق الروسية، خصوصاً بعدما فرضت روسيا حظراً على المنتجات الغذائية الأوروبية.

وهكذا، يبدو أن الاقتصاد سيكون فاتحة علاقات ممتازة، حيث يريد الروس توسيع مروحة الشركاء الاقتصاديين، للوصول إلى الاستقلال عن الشركاء الأوروبيين، الذين يحاولون عزل روسيا وتحويلها إلى مجرد “دولة إقليمية” كما صرّح الرئيس باراك أوباما، بينما يسعى المصريون أيضاً إلى التفلُّت من الضغوط الغربية عليهم بعد إطاحة الرئيس محمد مرسي “الإخواني”.

وبعكس زيارة بوتين لتركيا في كانون الأول الماضي، وحيث لم يكن من المتوقع منها أن تخرج بأي تفاهم إيجابي خارج إطار الاقتصاد، فإن العلاقة مع مصر يمكن أن تدفع إلى دور مصري إقليمي أكبر، يؤدي إلى دور إيجابي في قضايا الشرق الأوسط، ومنها الأزمة السورية.

يدرك الروس تماماً أن المبادرة التي يقومون بها لجمع المعارضة السورية مع ممثلين عن الحكومة السورية، لن تؤدي إلى شيء إذا لم تقم دولة إقليمية “سُنيّة” موازية بملاقاة هذا التوجُّه التسووي، والضغط على المعارضة للقبول بصيغة حلّ مقبول للطرفين. كما يدرك الجميع أن إمكانية كل من السعودية أو تركيا أو قطر أو الأردن للعب مثل هذا الدور، هو في حدود المستحيل، بسبب مشاركتهم المباشرة في سفك دم السوريين، وبسبب الصراع السُّني – السُّني الذي يجعل من أي مبادرة تقوم بها أي من الدول تلك مرفوضاً من قبل مموّلي وداعمي “المعارضة السورية” الآخرين. لذلك، تبدو مصر مؤهَّلة للعب مثل هذا الدور الإقليمي، والذي سيكون مقبولاً دولياً أيضاً لأسباب عدّة، أهمها:

1- حاجة الغرب والأميركيين لإبقاء مصر دولة قوية وفاعلة، وذلك لاحتواء الأزمة الليبية التي لو امتدت إلى مصر لانفجرت أفريقيا برمّتها. كما يطغى على العقل الأميركي حاجة وجود مصر كدولة مستقرة على حدود “إسرائيل”، لما لعدم الاستقرار من مخاطر هائلة على الكيان “الإسرائيلي” ووجود “إسرائيل” برمّته.

2- حاجة الروس إلى وسيط فاعل ومقبول، يحظى بثقة “المعارضة السورية” ويدفعها إلى تقديم الحل السلمي على الخيار العسكري، وهو دور بإمكان مصر – بصفتها حليفة للخليجيين – القيام به، علماً أن البلدين يتشاركان في العداء للإسلام السياسي، فالروس كانوا مبكراً قد أعلنوا “الإخوان” منظمة إرهابية منذ عام 2004.

3- يتشارك النظام السوري مع مصر – ما بعد ثورة 30 يونيو – العداء لـ”الإخوان المسلمين” بجميع فروعهم، وتعاني مصر كما سورية من الإرهاب الذي يريد تقويض استقرارها، لذلك فإن قيام مصر بمبادرة لتسهيل لقاء “المعارضة” والنظام السوريين لن يكون مرفوضاً من قبله، بالعكس؛ مجرد وقوف مصر على الحياد في القضية السورية سيحقق مكاسب للنظام السوري من حيث فكّ الحصار العربي الذي فُرض عليه بعد مؤتمرات “أصدقاء سورية” ودعوات الجامعة العربية لتدخُّل عسكري غربي لاحتلال سورية.

4- لن يعارض الإيرانيون قيام مصر بهذا الدور، فهم قد حاولوا مرات عدّة دفع أردوغان للقيام بهذا الأمر وفشلوا. وهكذا، يبدو من الأنسب لإيران أن يكون لمصر دور قيادي رائد في الدول العربية، كبديل عن دور سعودي بعد فشل المشروع “الإخواني” – التركي.

بكل الأحوال، وإلى أن تنضج ظروف الحل السياسي في سورية، سيحاول كل طرف على الأرض حسم المعركة العسكرية لصالحه، فما يحمله كل طرف إلى المفاوضات هو ببساطة ما يحققه العسكر على الأرض.

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>