السياحة الدينية.. بقلم وديع كنعان

لبنان أرض بشارة وقداسة منذ أن وطأها السيد المسيح وزارها بولس الرسول غير مرة، ومنذ أن كان اللبنانيون أول من اعتنق الرسالة المسيحية، وصار يطلق على أرضهم ” أرض المر والبخور”.

         ومع هذا المنعطف التاريخي محليا” وإقليميا” وعالميا”، إنطلقت في لبنان حياة الترهب والتنسك والتبشير مترافقة مع اقامة الكنائس والأديار والمزارات في كل بقعة تقبّل أهلها الرسالة السماوية.

       ومن هنا بدأت السياحة الدينية في لبنان التي نطمح اليوم لتكريسها في إطار العمل من اجل سياحة مستدامة ومتنوعة يكون لها المردود

الأكبر على الوطن برمته . فمنذ القرون الأولى للمسيحية تحولت أرض كنعان (لبنان) الى مستقر وممر للسياحة الدينية، التي ترتكز على حملات الحج ولاسيما من غرب أوروبا، المتجهة الى الأماكن المقدسة في كل المنطقة بدءا” من انطاكيا وصولا” الى فلسطين مرورا” بسوريا ولبنان والعراق.

       ويتحدّث الكاتب غريغوار دونيس عن مراكز اقامة الحجاج التي كان يطلق عليها اسم “كرافان سراي”، لكن هذه المراكز كما يقول ، لمIMG_8824 (1) تكن مناسبة للحجاج والرهبان التواقين للصلاة في الأماكن المقدسة. ويقول كاتب آخر هو ت.كليبرغ في مؤلفه ” فنادق مطاعم ملاهي أيام الرومان” (1957) أن الصيت غير الحسن لهذه المراكز دفع السلطات الكنسية الى إنشاء مراكز خاصة لإقامة الحجاج والرهبان، وما لبثت هذه المراكز ان انتشرت وتوسعت كما لو انها الفنادق الأولى التي يرتادها السيّاح الروحيون. وكانت صور كما تذكر المراجع التاريخية ، تزخر بالفنادق كونها محطة لرسو البواخر الآتية من اوستيا (ايطاليا) ومرسيليا (فرنسا) وهذا ما جعلها ايضا” نقطة لقاء اساسية  بين التجارة والحج والإستراحة والإقامة.

       وإذا كان لبنان لم يتوقف على مر تاريخه المسيحي- وأترك  لغيري ان يتحدّث عن السياحات الدينية الأخرى- عن أن يكون أرض الممرات والزيارات للحجاج أو السيّاح الروحيين، إذا صحت التسمية ، فإنه مدعو اليوم أكثر من أي يوم مضى الى تعزيز قطاعه السياحي ببلورة خطة كاملة متكاملة للسياحة الدينية التي قلما توافرت في لبنان اليوم من عنايا المحبسة والدير الى كاتدرائيات بيروت، مرورا” بالقديسين القدامى والجدد. وهذا بالطبع يستلزم قناعة وقرارا” من الدولة والكنيسة معا” من دون أن نغفل  دور القطاع الخاص في بناء الأرضية الصالحة المشجعة للسياحة الدينية من إقامة فنادق ريفية بالقرب من المزارات الرئيسية ، وتحويل بعض المنازل التراثية الى بيوت ضيافة للزائرين المحليين والأجانب، وإنشاء استراحات في المواقع المقدسة مع توفير التجهيزات والخدمات الآزمة بأسعار تكون في متناول كل الشرائح.

        وفي اعتقادي ان السياحة الدينية المنشودة هي جزء من السياحة البيئية، باعتبار ان معظم اماكننا المقدسة تقع في مناطق بيئية بامتياز كعنايا ووادي قنوبين، وجربتا، ولحفد وغيرها. فهل ينجح هذا الرهان الذي نعوّل عليه الكثير الكثير؟

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>