بقلم ماي الصايغ.: الديبلوماسية الشعبية… سلاح روسيا الناعم

في موازة دبلوماسيّتها السياسية الكلاسيكية، تسعى روسيا الإتحادية الى ضخّ الدم في عروق دبلوماسيّتها الشعبية، مُحاوِلةً تخطّي إرثَ الحقبة السوفياتية، وتوحيد الشعوب حول قِيَم مشترَكة، وإعادة تظهير صورة روسيا في عيون العالم بطريقة غير منحازة، وفهم موقفها بشكل أوضح على قاعدة، عندما تكون «صديقاً يمكنك أن تجد شريكاً»، بعد أن عملت في الماضي على توحيد الشعوب خلف عدوٍّ مشترَك «الإمبريالية الغربية».

«نريد أن تروا روسيا بأعينكم، وتغيير الصورة النمطية عن الروس في مخيّلتكم، لذا دَعَونا ممثلين من 100 دولة للمشاركة في مؤتمر «دور الدبلوماسية العامة في تعزيز التعاون الدولي الإنساني» للإحتفال بالذكرى التسعين لإنشاء «الوكالة الفيدرالية لشؤون رابطة الدول المستقلّة، والمواطنين الذين يعيشون في الخارج والتعاون الدولي الإنساني» (Rossotrudnichestvo).

10358748_752884524766941_6487388358728275095_n

عبارة يستهلّ بها زوراب أغريبوف نائب رئيس Rossotrudnichestvo حديثه، مُعرِّجاً على دور هذه الوكالة بتعزيز الدبلوماسية العامة بين الشعوب، وإظهار الصورة الإيجابية لروسيا في الخارج، من خلال الدعم والترويج للثقافة الروسية، وتنفيذ مشاريع في حقول المساعدة الإنمائية الدولية.

ويقول أغريبوف لمجموعة «جيل الشباب» التي تشكّل حجر الزاوية في تعزيز التعاون الدَولي الإنساني: «الطريقة الأفضل لتكوين صورة عن روسيا وفهمها هو التعرّف الى شركائكم الروس… نريد أن نسمع منكم. أن نتبادل الآراء. ليأتي الناس ويطّلعوا إلى ثقافتنا. ونترك لكم فرصة لتشكيل تقييمكم الخاص وانطباعاتكم».

فروسيا التي تستقبل نحو 1000 زائر أجنبي سنوياً ضمن 26 مشروعاً، منفتحة على التعاون في المجالات كافة، على قاعدة إستحالة بناء تعاون فعّال من خلال دولة واحدة.

وأحد أهداف Rossotrudnichestvo أن نجعل الشباب مهتمّين، و«نحفّزكم على إطلاق مشاريع مشترَكة في بلدكم»، على حدّ تعبير أغريبوف.
والجدير بالذكر أنّ Rossotrudnichestvo التي وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوم تشكيلها في عام 2008، وعيّن لوبوف جليبوفا رئيسةً لها، تشكّل امتداداً لـ«إتحاد كلّ المجتمعات للعلاقات الثقافية» الذي انطلق عام 1925، حين تقاسمت مجموعة من أعلام الثقافة بينهم الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي، والملحن سيرجي بروكوفييف والكاتب ميخائيل شولوخوف العمل على تعزيز العلاقات الخارجية لروسيا، في وقت تولّى عالما الفيزياء ألبرت أينشتاين وماري كوري والكاتب رومان رولان الجانب الغربي على الضفة المقابلة.

ويُسجّل لإتحاد كلّ المجتمعات للعلاقات الثقافية تأييده ودعمه حركة المقاومة لمحاربة النازية في عام 1941 من خلال الموسيقى والرسم، وزيادة الوعي وإسماع صوت الشعوب السوفياتية في مواجهة المحتلّين النازيّين وتأمين الدواء للمستشفيات.

وبات هذ الإتحاد يُعرف بمرحلة لاحقة بإسم «إتحاد مجتمعات الصداقة السوفياتية والعلاقات الثقافية مع الدول الأجنبية»، وساهم في حقبة تصاعد التوتر بين الإتحاد السوفياتي والغرب في إبقاء خيوط التواصل بين المُعسكرَين من خلال الثقافة والعلوم.

التعاون بين الشعوب

وتنتهز رئيسة Rossotrudnichestvo فرصة إنعقاد المؤتمر الدولي للدبلوماسية العامة في موسكو نهاية تشرين الثاني لتوجيه رسالة صداقة ومدّ يد التعاون الى المؤتمرين الأجانب من برلمانيين وفنانين وإعلاميين وخبراء في اللغة والأدب الروسي.

وتقول لوبوف جليبوفا: «العالم يتغيّر بسرعة ويمكننا فقط التقدّم الى الأمام بنسج علاقات جيدة بين الشعوب. الدبلوماسية العامة جزءٌ من التعاون الدولي لتحقيق التعاون المُستدام والحفاظ على القِيَم المشترَكة لكلّ المجتمعات الإنسانية، وهي ليست منفصلة عن الدبلوماسية الكلاسيكية، فعملنا هدفه تحقيق التعاون بين الشعوب والسلام في العالم».

مؤتمرٌ ناقش خلاله الحاضرون قضايا التفاعل بين الدول على المستوى البرلماني والترويج للثقافة واللغة الروسية، وكيفية مساهمة مجتمعات الصداقة في توطيد الأواصر بين الشعوب وزيادة أعداد شركائهم في كلّ القارات.

وتخلّلت المؤتمر شهادات لشخصيات ثقافية وفنّية أبدت عشقها لروسيا عموماً وموسكو خصوصاً وتقدّمتها الفنانة الفرنسية ميراي ماتيو وآخرون من أوستراليا وكوبا والصين والكونغو وألمانيا، وصربيا، وإشادات من طلاب أجانب لما كانت تمنحه لهم الجامعات الروسية من تسهيلات حين تابعوا دراستهم فيها وهم في مرحلة الشباب.

ويأمل أغريبوف أن يتمكّن الشباب من خلق تعاون ما، سواءٌ في المجال الصحافي أو الثقافي. ويقول: «عندما تكون صديقاً يمكنك أن تجد شريكاً».
فما تريده روسيا الإتحادية ليس مجرد علاقات دبلوماسية على مستوى الشؤون الخارجية بل دبلوماسية من الشعوب الى الشعوب، لتشكيل صورة عن بلد ومجتمع لا مكان للحكومات للتأثير فيه.

وإذا نظرنا إلى مكوّنات الدبلوماسية الشعبية التي من شأنها إظهار الماركة المسجّلة للأمّة، نجد أنّه وفق المؤرّخ البريطاني نيكولاس كول «Nicholas J. Cull» الذي اشتهر بدراساته في مجال الدبلوماسية الشعبية، أنّ مكوّناته هي خمسة: الإصغاء، الدبلوماسية الثقافية، التبادل، البثّ الدولي، والتأييد والدفاع.

«الحرب الإعلامية»

مكوّنات توليها روسيا الإتحادية الأهمية اللازمة، مع تشديدها على دور الإعلام في تطوير التعاون الدولي الإنساني، ولا سيما بعد الضرر بسمعتها في عام 2006 بسبب موقف الكرملين من الثورة البرتقالية في أوكرانيا، واتهام موسكو ببثّ برامج هدفها إضفاء الشرعية على السياسات المحلية والخارجية الروسية، ونزع الشرعية عن سياسات الحكومة الأميركية.

فـ«الحرب الإعلامية» التي تخوضها روسيا الإتحادية، تجعلها متأهّبة دوماً لحملات التضليل الإعلامي الغربية التي تطاولها على حدِّ تعبير مدير تحرير تلفزيون «روسيا اليوم» الناطق بالإنكليزية ألكسي نيكولوف، وتسعى جاهدة إلى تقديم تصوّر بديل للعالم عن ذلك الذي يفرضه الغرب على الدوام.

المدير العام لوكالة الأنباء الدولية «روسيا سيجودنيا» (روسيا اليوم) ديمتري كيسيلوف

ويقول لـ«الجمهورية» التي التقته في مقرّ وكالة «ريا نوفوستي» في موسكو: «إنّ عدوّ الإعلام في روسيا ليس الدولة والكرملين كما يصوّرون، بل التيار السائد في وسائل الإعلام الغربية والذي يتحكّم بالأجيال سيكولوجياً».

ويرفض وسم تغطية القنوات الروسية الرسمية لما يُسمى «الربيع العربي» بالإنحياز وترويجها لوجهة نظر الكرملين الذي لا يستسيغ الثورات الملوّنة. ويقول: «لدينا نظرة مختلفة الى أحداث العالم، وما يجري في سوريا على وجه التحديد مهمّ بالنسبة إلينا، نحن لا نقوم بغسل أدمغة صحافيّينا».

ويتساءل: «لماذا عندما يكتب صحافي مؤيّد للكرملين موقفه لا نعتبره صادقاً، في حين المعارض يكسب ثقة الغرب؟»
ويُذكّر بالإنتهاكات التي تعرّض لها صحافيون روس كانوا يعملون لمصلحة القنوات الروسية، وأنّ بعضهم تمّ تحريره من الإعتقال من السلطات الأوكرانية فقط لأنّه يملك جنسية أجنبية.

ويشدّد نيكولوف «أنّ ما يُوحّدنا كإعلاميين هو أن نحتكم الى المبادئ المهنية العالمية، والحدود الأخلاقية، وأن تتناول كتابة التقارير الدولية بدقة وبنزاهة لتخفيف حدّة التوتر».

في المقابل، ينفي المدير العام لوكالة الأنباء الدولية «روسيا سيجودنيا» (روسيا اليوم) ديمتري كيسيلوف وجود موضوعية في الإعلام. ويقول: «نحن نعمل تحت ظروف مختلفة، المعلومات بحدِّ ذاتها منتقاة، ولكن المطلوب منّا النزاهة في نقلها والحفاظ على قِيَمنا».

ويضيف مقدّم برنامج «معلومات الأسبوع» والذي يعكس وجهة النظر الرسمية الروسية عن السياسة الدولية»: «إن كنتُ أحبّ رئيسنا أم لا، يمكنني أن أقول ما أريد، نستطيع أن نناقش أيّ شيء في روسيا».

ويُذكّر بسؤال أحد الصحافيين الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عمّا إذا كان راضياً عن أداء الصحافة الروسية، فأجابه بوتين: نصيحتي لكم إقرأوا كثيراً وتحققوا من أيّ معلومة قبل نشرها».

ولمواجهة الأحادية الغربية في الإعلام، تسعى «روسيا اليوم» التي احتفلت بمرور 10 سنوات على إطلاقها، بالتعاون مع مجموعة «البريكس» (روسيا، البرازيل، الهند، الصين وجنوب افريقيا) إلى خلق فضاء معلوماتي مشترَك. ويقول نيكولوف: «قمنا بسلسلة إجتماعات لنستطيع الحصول على المعلومات الصحيحة والدقيقة المتعلّقة بكلِّ بلد، ونقل الأخبار بطريقة موضوعية وتعزيز التعاون الوطني الإنساني».

وفي هذا السياق، يندرج إنطلاق وكالة Sputnik «سبوتنيك» في مجال الإعلام العالمي في 10 تشرين الثاني عام 2014، بصفتها جزءاً من وكالة الأنباء الدولية «روسيا سيغودنيا»، بهدف «مواجهة النظرة الأحادية التي تفرضها الولايات المتحدة على العالم أجمع»، وهي تُنتج موادها بلغات عدة في مدن مختلفة من العالم، وليس في موسكو.

ولا يخلو استخدامُ إسم «سبوتنك» من تلميح إلى فترة الحرب الباردة بين قطبَي العالم آنذاك، الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، وتحديداً صراعهما على غزو الفضاء. ففي حينها، أطلق الروس القمر الإصطناعي «سبوتنك»، وكان أوّل قمر إصطناعي يصل إلى مدار الأرض بنجاح في العام 1957.

على الضفة المقابلة، لا يزال الأكاديميون الغربيون ينتقدون الإزدواجية في الرسالة الإعلامية الروسية، بين خطاب تعبوي يتوجّه للداخل وآخر مغاير للخارج، ويدعون موسكو إلى الأخذ في الإعتبار الرأي العام الغربي عند تشكيل سياستها الخارجية.

فهناك نظرة في الغرب لا تزال سائدة بأنّ روسيا تظهر من ناحية لطيفة ومحبة، ومن ناحية أخرى شرسة تجاه الخارج، ومتّهمة بالتركيز على مصالحها كما ورد في دراسة تحت عنوان «الدبلوماسية العامة لروسيا: ماذا يفعل الكرملين ولماذا لا ينجح؟» للباحثة كاثرين بي أفغارينوس، والصادرة عن مؤسسة «برينستون ايديوكيشن» عام 2010.

في نهاية المطاف، يُسجّل التاريخ لليابان وألمانيا نجاحهما بعد الحرب العالمية الثانية بالتعاون بين الحكومة والشعب لتحسين صورتهما الوطنية وبناء هويّتهما، والإندماج مع الغرب إقتصادياً وسياسياً.

لكنّ روسيا تريد أن تكون دولة عظمى يحترمها ويهابها الآخرون، وستبقى «لغزاً ملفوفاً بالغموض داخلَ أحجية. يمكن أن يكون هناك مفتاح للتنبُّؤ بأفعالها، إنّها المصلحة الوطنية الروسية»، كما سبق ووصفها رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل.

صحيفة الجمهورية اللبنانية

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>